الشيخ محمد هادي معرفة

334

تلخيص التمهيد

فلان أو فلان ، وقد أوضحنا أن لا سند لآحاد القراءات متّصلًا إلى النبي صلى الله عليه وآله ، ولا مساس لها بمسألة « تواتر القرآن » إطلاقاً . إذاً فتحكيم القواعد على القراءات ليس تحكيماً لها على القرآن ، بل تحكيماً للتوصّل إلى واقع القرآن . فكلّ قراءة وافقت الأفصح في اللغة والأفشى في العربية وتوفَّرت فيها سائر الشرائط نعتبرها صحيحة ونتسلَّمها قرآناً ، بكاشف هذا التوافق . والقواعد - الَّتي نعتبرها مقاييس لمعرفة القرآن - هي المعترف بها لدى الجميع ، والَّتي تسالمت عليها علماء اللّغة والأدب ، المستقاة من كلام العرب الأصيل ، الأمر الَّذي يوجد عند نحاة البصرة أكثر وأدقّ ممّا عند الكوفيّين ، ومن ثمَّ فإنَّ وقفة مثل « الداني » المغربي في وجه مثل « سيبويه » غريبة جدّاً . ونتساءل القوم : بماذا أنكر الإمام أحمد على حمزة قراءاته ، لولا أنَّه وجدها خارجة عن أساليب التعبير العربيّ الأصيل في مدّاته وتوالي سكناته وما إلى ذلك ! ؟ وهل نتسلَّم قراءة من قرأ : « قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدرأتكم به » بالهمز لمجرَّد أنَّها قراءة بعض المتقدّمين « 1 » ؟ في حين أنَّها تقلب معنى الآية ، لأنَّها من « درى » بمعنى علم ، لا من « درأ » بمعنى دفع . وقراءته أيضاً : « وما تنزلت به الشياطون » وهي غلطٌ محض « 2 » . وقراءة ابن محيصن : « فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ » « 3 » بفتح تاء المضارعة ونصب « الأعداء » . وإنَّما هو من : أشمت اللَّه العدوّ ، ولا يقال : شمت اللَّه العدوّ « 4 » . وقراءة ابن عامر : « كُنْ فَيَكُونُ » « 5 » بالنصب . ومن الغريب أنَّ مثل الكسائي تابعه في

--> ( 1 ) هي قراءة الحسن . ( راجع البحر المحيط : ج 4 ص 133 ) ، والقراءة المأثورة : « ولا أدراكم » يونس : 16 . ( 2 ) انظر تفسير القرطبي : ج 13 ص 142 ، والقراءة المأثورة : « الشياطين » الشعراء : 210 . ( 3 ) الأعراف : 150 . ( 4 ) تأويل المشكل لابن قتيبة : ص 61 ، وانظر البحر المحيط : ج 4 ص 296 . ( 5 ) البقرة : 117 ، آل عمران : 47 و 59 ، الأنعام : 73 ، النحل : 40 ، مريم : 35 ، يس : 82 ، غافر : 68 .